تاريخية

السياسة الأمنية في الدولة السعودية الأولى: حين عاد الأمان لموطنه

بقلم فهد بن ذياب القحطاني · رمضان 1447هـ · ٧ دقائق · عدد التأسيس
السياسة الأمنية في الدولة السعودية الأولى: حين عاد الأمان لموطنه
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

لم تكن السياسة الأمنية في الدولة السعودية الأولى مجرد تدابير عسكرية لحماية الحدود، بل منظومة حياةٍ تهدف إلى غرس الطمأنينة في قلب الصحراء. أدركت الدولة أن السيادة الحقيقية تبدأ من شعور الفرد بالأمان في ماله وعرضه، فصاغت نظاماً أمنياً يرتكز على العدل والرقابة.

بدأ هذا النظام من تأمين المواقع والمراكز الحيوية، كما أشار صاحب «لمع الشهاب»: «كان شأن آل سعود إذا تولوا بلداً كبيراً أو كورةً بنوا حصناً في تلك البلد، وحفروا حوله خندقاً». فكانت القلاع الركيزة الأولى لبث الهيبة، ومنها انطلق نظام «المرابطة»؛ قواتٌ نظاميةٌ تُوضع في المناطق الاستراتيجية لتكون عين الدولة التي لا تنام.

حتى ذكر ابن بشر أن «القافلة الكبيرة تخرج من الشام أو من مصر أو من اليمن، والواحد من الناس يسير بماله العظيم من غير صاحبٍ ولا رفيق، لا يخشى أحداً إلا الله».

وفي موازاة هذه القوة العسكرية كان هناك أمنٌ اجتماعيٌّ يحميه المحتسب، الرقيب الذي مثّل الأمن الوقائي في الأسواق والمجتمعات، ومنع التجاوزات قبل وقوعها وراقب سير المسؤولين أنفسهم. ومن قوة هذا النظام ما ذكره بوركهارت عام 1221هـ/1806م أن الشخص كان يسقط منه كيس المال في الطريق فلا يجرؤ أحدٌ على أخذه.

ويكتمل المشهد بوجود القاضي الذي كان الملاذ الأخير، فالمواطن الذي يشعر بأي بادرة ظلمٍ يعلم أن باب القاضي ومن خلفه الحاكم مفتوحٌ دائماً. قال ابن بشر: «كان القاضي إذا جلس للحكم لم يكن لأحدٍ من الأمراء أو الأعيان تدخلٌ في حكمه، بل كان حكمه نافذاً على الصغير والكبير».

وفي ختام هذا التنظيم تجلى الأمن في أبهى صوره داخل الحرمين الشريفين، حيث أُمِّنت سبل الحجاج، وحرص الإمام سعود على التواصل مع القبائل في الطرق البرية وإغداق العطايا عليهم مقابل تعهدهم بعدم التعرض لزوار بيت الله، وتأمين القادمين عبر البحر الأحمر بالتواصل مع أمراء المدن.

إن نجاح هذه السياسة لم يكمن في كثرة العتاد، بل في هيبة العدل التي سادت الأرجاء. لقد تحول الإنسان من التوجس والخوف إلى الثقة والاستقرار، لتظل تجربة الدولة السعودية الأولى برهاناً على أن الأمن الحقيقي هو ثمرةٌ طبيعيةٌ لمنظومةٍ تجمع بين حزم القوة ورحمة العدل.

بقلم: فهد بن ذياب القحطاني
شاركنا رأيك في هذه المقالة
من عدد التأسيس
عُد إلى صفحة العدد ←