
تعد موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب من درر التراث العثماني — تراث إسلامي — والمصنفات التاريخية التي وثقت الحجاز في القرن التاسع عشر، وقد ألّفها المؤرخ والضابط العثماني أيوب صبري باشا — الذي توفي في إسطنبول من عام (١٨٩٠–١٢٩٠) م — في إطار مشروع علمي أراد من خلاله تقديم صورة شاملة عن الحرمين الشريفين وأبعادهما الجغرافية والتاريخية، ودعم هذا الأمر فترة إقامته الطويلة في الحجاز أثناء عمله في الإدارة العثمانية، الأمر الذي أتاح له الاطلاع المباشر على أحوال مكة والمدينة ومجتمعهما، مما ساعد على إثراء علمه ومشاهداته ورؤيته الشخصية، وقد بدا ذلك واضحًا في تصنيفه لكتابه — مرآة الحرمين الشريفين والجزيرة العربية — الذي فاق في مضمونه ومنهجه كثيرًا مما كتب في هذا المجال بلغاتٍ أخرى.
كُتبت الموسوعة في بداية الأمر باللغة التركية العثمانية، ثم ترجمت فيما بعد إلى اللغة العربية — أشرف على ترجمتها الدكتور محمد حرب — وتعد عملاً موسوعيًا ضخمًا ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي مرحلة كانت الدولة العثمانية تسعى إلى تعزيز حضورها الإداري والعلمي في منطقة الحجاز، لذا نلحظ أن كتابات أيوب صبري باشا جاءت من ضمن سياق معرفي وسياسي بحت، فلا تُعدّ مجرد توثيق جغرافي فقط، إلا أنها تعتبر جزءًا من المعرفة الإدارية التي تنتجها الدولة عن أقاليمها.
السياق التأليفي للموسوعة
اعتمد أيوب صبري باشا على رصيد علمي ثري من المصادر، تجلى بقوة وكثرة مراجعه، ودقة رؤيته، وصواب تحليلاته، كما يتصف شخصيًا بالتواضع الجم إذ هو يصر على وضع نفسه موضع تساؤل من جهة القارئ، وموضع التقصير أيضًا، فهو كثيرًا يصف نفسه بالعجز، وتتصف هذه الموسوعة بالروح العلمية؛ التي تعتمد التوثيق أساسًا لها ويظهر هذا التدقيق في الأمانة العلمية التي تمثلت في أمور منها:
١- حرصه على زيارة الأماكن التي يتحدث عنها، غير مكتفٍ بما جمعه من مادة علمية.
٢- حرصه على ذكر المصادر في مقدمة مصنفه وفي ثناياه.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المصنف كتب بلغة واضحة، وأسلوب سهل بعيد عن التعقيد اللغوي، وبذلك يتناسب هذا الأسلوب مع مستويات الكثير من القراء، ونلحظ من مميزات هذا المصنف احتواءه على قدر من الطرافة والجدة في آن واحد، إذ أنه مع ضخامة مادته العلمية ينأى القارئ عن فكرة الملل من خلال الاستشهاد بحكاية غريبة أو حادثة نادرة، وتارة يستشهد بأبيات من الشعر.
ألف أيوب صبري باشا هذا العمل بعد سنوات من الإقامة والخدمة من ضمن الجهاز العسكري والإداري العثماني في الحجاز، حيث عين في ستينيات القرن التاسع عشر مديرًا للبحرية العثمانية في المنطقة. وقد أتاح له هذا الموقع الاحتكاك المباشر بالمجتمع الحجازي والاطلاع على تفاصيل الحياة اليومية والأنظمة الإدارية في تلك البلاد، والتعرف على هوية العلاقات الاجتماعية والقبلية والاقتصادية المرتبطة بالحج، واستغرق تأليف الموسوعة نحو سبعة عشر عامًا من البحث والتنقيح، اعتمد خلالها المصنف على مصادر تاريخية متعددة، إضافة إلى الروايات الشفوية التي جمعها من كبار السن وأهل البلاد، في محاولة لتوثيق الوقائع والأماكن بدقة.
سمات منهج المصنف
تميز منهج أيوب صبري باشا بالشمولية والدقة، إذ اعتمد على مصادر متنوعة وموثوقة، مع تحليل ومقارنة دقيقة للمعلومات. كما اتسم تنظيمه المنهجي للمواد التاريخية والجغرافية والاجتماعية بتسلسل واضح، مع هدف علمي وديني يسعى لخدمة القارئ وإثراء معرفته بتاريخ الحرمين وجزيرة العرب.

البناء العلمي للموسوعة ومضمونها
رأى أيوب صبري باشا أن كثيرًا من العلماء قد ألفوا في تاريخ الحرمين، غير أن تلك المؤلفات — على كثرتها — لم تجمع بين الشمول والاكتمال، إذ تناول كلٌّ منها جانبًا محددًا دون أن يقدم صورة جامعة للأماكن المقدسة والجزيرة العربية في عمل واحد، كما أن بعضها — في نظره — لم يخلَ من نقصٍ في الدقة العلمية.
ومن هذا المنطلق سعى إلى تأليف وتصنيف هذه الموسوعة ليقدم عملًا أكثر إحاطة وتنظيمًا، يضم تاريخ هذه الأماكن المقدسة في إطارٍ واحد، ويخدم أبناء العالم الإسلامي الذين يرتبطون بهذه البقاع بروابط دينية عميقة. وكان هدفه الأسمى أن تكون هذه الموسوعة مصدرًا نافعًا للمسلمين في شتى أنحاء العالم، ومعينًا لهم على معرفة تاريخ الحرمين وما يتصل بهما من معالم وأحداث، وعليه جاء العمل في خمس مجلدات كبيرة الحجم، وقسمت إلى ثلاثة محاور معرفية رئيسية وهي كالتالي:
١. مرآة مكة (ينقسم إلى جزأين)
يتناول هذا القسم تاريخ مكة المكرمة منذ بدء الخليقة حتى زمن تأليف الكتاب (عهد السلطان عبدالحميد الثاني) — ويشغل صفحاته من ١–١١٤٥ — ويتضمن وصفًا دقيقًا للكعبة المشرفة وبنائها التاريخي، وعمليات إعادة الترميم الممتدة عبر العصور التاريخية، وكما أعطى وصفًا للأحياء والأسواق والطرق الداخلية، وقدم دراسة لتطور العمران والجماليات المكانية في الحرم المكي، بالإضافة إلى عرض تحليلي لنظام الحج بما يشمله من الوظائف المرتبطة بإدارة الحرم، أو بطريقة تنظيم وفود الحجاج، أو من خلال الخدمات المقدمة لهم، وأعطى المصنف بعدًا اقتصاديًا من خلال التعمق في وصف التجارة الموسمية في فترة الحج التي بدورها كانت سببًا في ازدهار الأسواق مما عمل على دعم الحياة الاقتصادية.

٢. مرآة المدينة (ينقسم إلى جزأين)
ويماثل في الحجم الجزء الأول من صفحة ١١٤٦–٢٥٢٠، ويتحدث فيه عن مراجعاته ومعلوماته الشخصية وما حصل عليه من الأخبار من خلال تحقيقاته الخاصة، وعرض في هذا القسم صورة كاملة عن المدينة المنورة من خلال عرض تاريخ المسجد النبوي وتوسعاته على مر العصور التاريخية، وانتقل إلى إعطاء وصف تخطيطي للمدينة وأحيائها، وتحدث عن الأسر العلمية المشهورة والأشراف الذين كان لهم حضور ملفت في الحياة الدينية في تلك الفترة، واستطرد الكاتب في الوصف التحليلي للحياة من خلال ذكر حلقات العلم في المسجد النبوي، وبالإضافة إلى سرد النظام الإداري السائد في تلك الفترة، مع إعطاء وصف لماهية علاقة السلطة العثمانية بالأعيان المحليين، وعليه صنف هذا الجزء بأنه دائرة معارف كبيرة عن المدينة المنورة.

٣. مرآة جزيرة العرب (جزء واحد)
يعدُ أصغر جزء في الموسوعة إذا ما قورن بالجزأين السابقين — ٤٠٠ صفحة — ومع ذلك يعتبر من أكثر أقسام الموسوعة اتساعًا، بحيث يمثل مصدرًا مهمًا لدراسة البنية القبلية والسياسية لجزيرة العرب، إذ يتجاوز الحجاز إلى دراسة جغرافية الجزيرة العربية بشكل عام، ويتوسع في تاريخ قبائلها وأنسابها، كما يتناول طرق قوافل الحج التاريخية المؤدية إلى الحرمين، مثل طرق الحج والمسالك التجارية، إضافة إلى وصف القبائل وأحوالها السياسية والاجتماعية، وتوزيع السكان ويتطرق كذلك إلى العلاقات السياسية بين القبائل، ومن الجدير بالذكر أن الكاتب أشار في مستهل هذا الجزء إلى أنه جعله ذيلًا لكل من مرآة مكة والمدينة ومن ثم وجب إلحاقه بهما واعتباره جزءًا ثالثًا للكتاب، إذ أن معرفة أحوال جزيرة العرب وتاريخها ذات أهمية بالغة حتى تكتمل الصورة الذهنية عن الحرمين.
القيمة العلمية للموسوعة
تكمن أهمية هذه الموسوعة في عدة جوانب أساسية، بحيث نستشف أنها ليست مجرد أحداث تاريخية، لكنها عمل يجمع بين توثيق الحياة الاجتماعية في منطقة الحجاز من القرن التاسع عشر، وبين تقديم صورة عن إدارة الحرمين في العهد العثماني، ولهذا تعد مرجعًا مهمًا في دراسة تاريخ الحجاز، خاصة المرحلة التي سبقت التحولات السياسية الكبرى في الجزيرة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكما تعطي وصفًا دقيقًا للعمران والأسواق والأنشطة الاقتصادية، وعلاوة على ذلك تمثل نموذجًا من أدب الرحلات التاريخي الذي يمزج بين المشاهدة الميدانية والتحقيق التاريخي.