تاريخية

غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي

بقلم مؤيد هزازي · شعبان 1447هـ · ٧ دقائق · العدد الأول
غرينلاند: من قسوة المكان إلى تشكّل الكيان السياسي
صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

تُعد غرينلاند، ومعنى اسمها «الأرض الخضراء»، وهو المسمى الذي أطلقه عليها الفايكنغ عند وصولهم إليها، حالةً استثنائيةً في الجغرافيا العالمية، إذ تجمع في موقعٍ واحد تنوعاً ملحوظاً في الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والعناصر الأرضية النادرة وبعض الأحجار الكريمة.

وتُصنف أكبر جزيرة في العالم، وتقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، شرق أرخبيل القطب الشمالي الكندي. وتغلب عليها الطبيعة القطبية القاسية، مما يجعل ظروف العيش فيها صعبة، ويفرض على الإنسان نمط حياة قائماً على التكيف مع البيئة الجليدية، وهو ما أسهم في تشكيل هويةٍ إنسانيةٍ وثقافيةٍ خاصة لسكانها.

عرفت غرينلاند الاستيطان البشري منذ عصور ما قبل التاريخ، إذ تشير الدراسات إلى وجود شعوب الباليو-إسكيمو في الجزيرة خلال الفترة الممتدة بين ٢٥٠٠ و٨٠٠ قبل الميلاد. ومع نهاية القرن التاسع الميلادي وصل الفايكنغ النرويجيون والآيسلنديون واستقروا في جنوب غرب الجزيرة نحو عام ٨٧٥م، وأسسوا مستوطنات ربطت الأرض بالمجال الإسكندنافي الأوروبي.

وفي عام ١٢٦١م، صوّت سكان تلك المواقع لصالح الانضمام إلى التاج النرويجي، ثم انتقلت لاحقاً إلى الحكم الدنماركي في إطار الاتحاد الدنماركي-النرويجي عام ١٣٨٠م. وقد شكّل هذا الانتقال بداية إدماج غرينلاند في المنظومة السياسية الأوروبية لشمال الأطلسي.

شهد القرن العشرون تحولات مفصلية: ففي عام ١٩٥٣م أُدرجت الجزيرة رسمياً ضمن الدستور الدنماركي وأصبح سكانها مواطنين دنماركيين، ثم منحت الدنمارك عام ١٩٧٩م نظام الحكم الذاتي. وجاء التبدل الأوسع عام ٢٠٠٨م حين صوّت سكان غرينلاند لصالح قانون الحكم الذاتي الموسع الذي دخل حيز التنفيذ عام ٢٠٠٩م، ونقل صلاحيات واسعة من الحكومة الدنماركية إلى الإدارة المحلية.

أثّر الاستعمار الأوروبي في غرينلاند بعمق؛ فعلى الصعيد السياسي انتقلت السيطرة من النرويج إلى الدنمارك عام ١٨١٤م، وعلى الصعيد الاقتصادي تحولت أنماط المعيشة المستقلة إلى تبعيةٍ تجاريةٍ للدنمارك، وعلى الصعيد الثقافي فُرضت اللغة الدنماركية ونظم التعليم الأوروبية، فترك ذلك أثراً عميقاً على هوية الإنويت.

لقد تحولت غرينلاند عبر العصور من أرضٍ قاسيةٍ جليديةٍ يسكنها قليلٌ من الشعوب إلى مستعمراتٍ أوروبيةٍ يُتنازع عليها لما تملكه من ثروات، ثم إلى كيانٍ ذي سيادةٍ خاصةٍ يستطيع تقرير مصيره دون تدخل دولةٍ خارجية.

بقلم: مؤيد هزازي
شاركنا رأيك في هذه المقالة
من العدد الأول
عُد إلى صفحة العدد ←