ماذا ورثنا اليوم من مرحلة التأسيس؟

كانت مرحلة التأسيس لحظة تحوّلٍ عميقةٍ أعادت صياغة الواقع السياسي والاجتماعي، وأرست دعائمه على الوحدة بعد التفرق، وعلى الاستقرار بعد الاضطراب. ومنذ قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام (1139هـ/1727م)، بدأت صفحةٌ جديدةٌ في تاريخ المنطقة عنوانها جمع الكلمة وبناء مجتمعٍ تحكمه الشريعة وتسوده الطمأنينة.
كان التأسيس مشروع وحدةٍ قبل أن يكون مشروع سلطة؛ إذ تحوّلت الأقاليم المتناثرة إلى كيانٍ يجمعها نظامٌ واحد، وقيمٌ مشتركة، وولاءٌ جامع. ومن رحم تلك الوحدة وُلد الاستقرار، ومنه نما العمران، وتحركت التجارة، وازدهرت الحياة العلمية والاجتماعية.
أولاً: إرث الأمان. كان الأمن أبرز ما ميّز الدولة السعودية الأولى، حتى وصفت المصادر تلك المرحلة بأن الأقطار كانت آمنةً مطمئنة؛ يسافر الرجل وحده للتجارة من نجد إلى الحجاز واليمن والشام، لا يحمل سلاحاً ولا يخشى في طريقه إلا الله. وهذا الأمن إرثٌ حيٌّ نعيشه اليوم في المملكة، حيث نتحرك في مدننا وطرقنا مطمئنين.
ثانياً: إرث الرؤية الاستراتيجية. كان قيام الدولة مشروعاً مدروساً قاده الإمام محمد بن سعود بعقليةٍ سياسيةٍ واعية، فأدرك أن البناء يحتاج إلى تنظيم الشؤون الداخلية وبناء التحالفات قبل التوسع. واليوم يتجلّى هذا الإرث في رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد، بوصفها مشروعاً وطنياً يعيد صياغة الاقتصاد والمجتمع وفق خططٍ مدروسة.
ثالثاً: إرث الكرم. عُرف أئمة الدولة بالسخاء ورعاية الرعية، ومن أبرز صور ذلك ما يمكن وصفه بتحقيق مبدأ الضمان الاجتماعي مبكراً؛ إذ كان يُصرف من بيت المال على المساكين وأبناء السبيل ومن تحلّ بهم الكوارث. وما نراه اليوم من برامج دعمٍ اجتماعيٍّ وأعمالٍ إغاثيةٍ تمتد إلى العالم ليس إلا امتداداً لذلك الجذر.
رابعاً: إرث العلم. اهتمام الأئمة بالعلم جاء ضمن رؤيةٍ واضحةٍ لإصلاح المجتمع؛ فحرص الإمام عبدالعزيز على تشجيع طلاب العلم وتوفير رواتب لمن يتفرغ للتعليم، وعُرف الإمام سعود بحضوره مجالس العلم وإلقائه الدروس بنفسه. واليوم يستمر هذا الإرث في توفير التعليم المجاني ودعم الجامعات والبحث العلمي والابتعاث.
حين نتأمل في مرحلة التأسيس ندرك أننا نستحضر جذوراً ممتدةً في حاضرنا، فالقيم التي غُرست في البدايات تحولت إلى ملامح راسخةٍ في هوية الدولة، تؤكد أن المملكة العربية السعودية تمضي بخطىً واثقة، مستندةً إلى تاريخها، ومتجهةً بثقةٍ نحو مستقبلها.